استعدادات على قدم وساق لوداع عام الوباء واستقبال العام الميلادي الجديد 2021، عواصم ومدن العالم تلألأت بالاضواء وتزينت ساحاتها وشوارعها احتفاءا بقدوم اعياد الميلاد المجيد والسنة الميلادية الجديدة على رغم الحظر والحذر من كورونا المترصد خارج الابواب، فيما كل يسعى وفق اهتماماته .. الصحفي والاعلامي والباحث يعمل بجد على جرد واستعراض احداث العالم السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية كعادته كل عام، بينما تجد المحلل والخبير الاستراتيجي يحذر انتظار الاسوأ المنتظر مما "سيفعله" الرئيس ترامب المهزوم قبل مغادرة البيت الابيض، ويستبعد البعض حدوث كوارث مع نهاية العام كما جرى في الاعوام الماضية، باعتبار ان فيروس كورنا قد حصد آلاف الارواح من البشر و"عزرائيل" قد اكتفى بحصيدة الوباء!!.. أما المُنجمين وضاربي الودع وقّراء الحظ والطالع يجتهد كل منهم وفق ابراجه ومخيلاته على استشفاف المستقبل وفذلكة ما يحمل العام الجديد بين طياته.. في حين الغالبية من عباد الله ينتظرون حسن الختام لسنة الوباء لعل وعسى يطل الفرج ويفتح نافذة للفرح والتفاؤل بدخول السنة الميلادية الجديدة دون حجر ولا كمامات ..
ووسط هذه الميمعة من الابتهاج يهجم عليك الحزن فجأة، ليس لأنك في بلاد الغربة، بل الاستغراب حين سماع واحدة من اناشيد الميلاد الشهيرة تصف أهل وسكان بيت لحم بانهم "غلاظ القلوب" وبيوتهم مقفلة بوجه الضيوف والسائلين لعدم استضافة العذراء الحامل ويوسف النجار.. تدخل في حوار ونقاش وتكرر انك من بلدة الرعاة الذين حملوا الحليب والاجبان والغذاء بكرم وسخاء الى المولود وأمه وهذه شيمة أهل البلاد، ولكن لا حياة لمن تنادي، فقد تم اختطاف المسيح ومهده وتراثه من دياره وارضه المباركة المقدسة الى ديار الروس واليونان والطليان فيما تقاسمته بلدان وشعوب الغرب ..
ولاحتفالات الميلاد في اسبانيا رونق وبهاء وطعم شهي لما يُضفى عليها الاسبان اصناف والوان الفرح وفنون التوابل والبهار الاندلسي الجميل.. والملاحظ رغم العلاقات الطيبة والتعاون المثمر بين المؤسسات الحكومية وغير الحكومية الاسبانية مع مثيلاتها من المؤسسات الفلسطينية، فإنك تلمس روح الاحتفال الاسباني الذي يعم جميع المدن والبلدات والاقاليم، كأن اسبانيا وحدها صاحبة المهد والميلاد، فمثلا بلدة مولينا بمحافظة مالقة بالجنوب الاسباني انشأت متحفا مجسما على مساحة 5000 مترا مربعا اطلقت عليه اسم متحف المهد والميلاد ويتألف من قسمين، الأول القسم الداخلي والرئيسي يحتوي على 70 مجسما متكاملا يروي حكاية الميلاد وكأنها حكاية اسبانية، فيما يحتوي القسم الخارجي وعلى الهواء الطلق تجسيم متكامل للقرى والريف والمطاحن والساحات الاندلسية والمنازل الشعبية بشخوصها وازيائها الاسبانية ..
اما في بلدة لديسما بالقرب من مدينة سلمنكه وسط اسبانيا هناك كنيسة صغيرة تقول انها تحتفظ بجماجم الرعاة الثلاث، يوسف واسحق ويعقوب، الذين تلقوا بشارة الملائكة بالميلاد!.. وقد سبق وزرت الكنيسة قبل سنوات، ونظم الزيارة الصديق التلحمي الكاتب والباحث المتخصص غطاس جهشان ومؤلف عدة كتب حول مدينة بيت لحم وكنيسة المهد والقدس وكنيسة القيامة والمسجد الأقصى وكثير من الكتب والابحاث والدراسات حول القضية الفلسطينة باللغة الاسبانية.. وحين سألت المسؤولين عن كيفية وصول تلك الجماجم ، اجابوا: احضرها من بلدة الرعاة فرسان من ابناء لديسما الذين التحقوا بجيوش الحملات الصليبية .. لذا فان الاحتطاف لم يكن بمعناه الرمزي بل العملي ايضا، وبالتأكيد جاءت تلك الاناشيد لتتماهى مع مزاعم بطرس الناسك الذي جيّش الدول الاوروبية لتشن حملاتها الصليبية على "المشرق الهمجي" و"تحرير القدس والاراضي المقدسة" !..
حقيقة لا أود الدخول والنقاش في متاهات لاهوتية ودينية خارج العقل والمنطق، غير ان السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ترك يوسف ومريم الناصرة وتوجها الى بيت لحم؟!! .. الجواب نجده في انجيل لوقا 2/:1-5 يقول : (وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ. وَهَذَا الاِكْتِتَابُ الأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ.فَذَهَبَ الْجَمِيعُ لِيُكْتَتَبُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَدِينَتِهِ. فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضاً مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى بَيْتَ لَحْمٍ لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى.) .. أي ان يوسف النجار جاء من الناصرة الى دار اهله ومدينته بيت لحم، وبالتالي لا يعقل ان يترك داره ومنزل الأهل ويذهب طارقا ابواب الجيران لتستضيفه ؟!.. هكذا جاء في انجيل لوقا، وتتفق جميع الروايات على ان ذهاب يوسف الى بيت لحم كان بسبب الاحصاء وتعداد السكان القابعين تحت وصاية او رعاية او استعمار الامبراطورية الرومانية.. والمؤسف ان كلمات تلك الاناشيد قد اعتمدها الجميع دون تفكير حتى وصل الامر ببعض الكتّاب والباحثين العرب الأخذ بها دون دراية ودراسة، ومنهم من حاول توضيح تلك المزاعم والادعاء ان مدينة بيت لحم كانت محاطة باسوار تغلق ابوابها بعد المساء وربما قد وصل يوسف ومريم بيت لحم ليلا فوجدا ابواب المدينة مغلقة وكان بالقرب من السور مغارة تستخدم كخان للحيونات فذهبا للمبيت حيث جاءها المخاض تلك الليلة فوضعت الطفل في المغارة !!..
العقل والمنطق يستبعد هذا التوضيح او التبرير وتفسيره بهذه السذاجة، فالمدن والمناطق العسكرية هي من تحتاط باسواروابراج وابواب للحماية بعكس بيت لحم التي تعتبر من المدن الزراعية ، ناهيك عن ترك الدواب والحلال دون حماية خارج السور، وهي اهم ما يمتلكه الانسان في الزمن القديم .. لقد تم اعتماد تلك المزاعم دون متابعة ما جاء في انجيل لوقا والاطلاع على تكملة قصة الميلاد التي تضيف في الآية 6-7 : (... وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ. فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ.) .. بمعنى ان مريم ويوسف قد امضيا عدة ايام في منزل الاهل قبل الولادة، ومن المعروف ان هندسة وتنظيم منازل بيت لحم القديمة، كان الباب الرئيسي والمدخل الكبير مخصص لمبيت الدواب والحيوانات وفي سقفه فتحة تطل على غرفة واسعة تسمى (عليّه) مكان المعيشة والنوم للعائلة.. وهي بمثابة شباك بالسقف تسمح لأنفاس الحيوانات الساخنة ايصال الدفء لغرفة العائلة، وهذا الاسلوب والطريقة في البناء وهندسة البيوت تتواجد بجميع المناطق الفلاحية وعلى ضفتي البحر المتوسط والعالم اجمع، وبالتالي حينما جاء المخاض للعذراء هبطت الى الطابق الاسفل من المنزل الذي هو اكثر خصوصية ودفئا فقمطت الطفل ووضعته في المذود..
ويتواجد هذا النموذج في متحف أنشأته جمعية الاتحاد النسائي ببيت لحم لا يبعد سوى عشرات الامتار عن كنيسة المهد وفيه الدليل الواضح، اذ ان المتحف عبارة عن منازل بيت لحم القديمة تم تأهيلها وترميمها وفق ما كانت عليه وما اشرنا اليه ويتضح طرق هندسة البناء وانشاء المنازل لعائلات بيت لحم في الزمن القديم، ويحتوي المتحف بغرفه المتعددة على مجموعات من القطع الاثرية الثمينة تمثل تاريخ الشعب الفلسطيني من المزارعين ومهندسي فن العمارة والبناء واشارة واضحة الى اسلوب الحياة اليومية وثراء المعيشة .. إذن لماذا هذه الاناشيد والاغاني واتهام سكان بيت لحم بالغلاظة والبخل ورد السائل وعدم استضافة الغريب؟!..
لقد حاول كتّاب وهيئات دينية غربية تجميل الشرح و"فذلكات" المعاني بالاشارة الى ان "رمزية" ولادة السيد المسيح في خان للدواب دلالة على "التواضع" .. وهذا ايضا غير مقنع بتاتا، باعتبار ان سيرة وحياة السيد المسيح هي بحد ذاتها مثال التواضع بجميع اشكاله ومعانيه، من اختيار تلاميذه من الفقراء واصحاب مهن صيد السمك، كما أن آوائل المؤمنين برسالة المسيح كانوا من فقراء المجتمع حينذاك وليس من اصحاب الغنى الفاحش كأديرة وكنائس اليوم، لذلك لا تحتاج صفة تواضع السيد المسيح إلى دلالة اصطبل الدواب ؟!..
وعليه وكما ذكرنا، يبدو ان اقرب توضيح لمن وضع كلمات وافكار تلك الاناشيد والاتهام وتجريم "بيت لحم واهلها وسكانها وبيوتها" هم اتباع بطرس الناسك الذي جيّش ملوك وامراء اوروبا وجهّز الحملات الصليبية لاستعمار الاراضي المقدسة بتلك الادعاءات الباطلة !!..
قد يقال جرى ذلك في سالف العصر وغابر الزمان ، غير ان الاناشيد ما تزال الى اليوم تشدو بتلك المزاعم والافكار الخاطئة، وبالتالي علينا توضيح وتصحيح الصورة الشائنة على اهل وسكان بيت لحم، بل المطلوب العمل الجاد لاستعادة حكاية الميلاد التي اختطفها الغرب لتعود الى أصول نشأتها وديارها الطيبة وشعبها الاصيل..
وبالفعل هناك حراك وتفاعل شبابي واكاديمي علمي بالتعاون مع وزارة السياحة وبلديات محافظة بيت لحم وبوجه خاص ما تقوم به بلدية بيت ساحور مدينة الرعاة من نشاط عملي حيث شكلت عدة لجان علمية وتراثية وتاريخية وسياحية من اجل احياء تراث واماكن المزارات والمسارات في مدينة الرعاة التي هي اصل الحكاية ..




.jpg)















